الصفحة الرئيسية

نبذة عن صاحبة الصالون

نظام الصالون

افتتاح الصالون

كلمة معالي الوزيرة زهيرة كمال

كلمة معالي الوزير يحيى يخلف

الكلمات الترحيبية لصاحبة الصالون

كلمات أدبية ألقيت في الصالون

كتب أدبية لصاحبة الصالون

كلمات قيلت في كتب صاحبة الصالون

تغطية ندوات الصالون

من أدبيات أ. د. أفنان دروزه

تجربتي في كتابة المقالة

نابلس حضارة وعراقة
جوائز الصالون
شارك معنا

اتصل بنا

البريد الالكتروني

 

 

كلمات أدبية ألقيت في الصالون

 

الأديــبة النابغـة "مــي زيــادة"... بين الشهرة والمحنة!

بقلم:  أ. د.  أفنان نظير دروزه

إن ما أخطه هنا من سطور عن حياة الأديبة النابغة مي زيادة, لا تستطيع أن تحيط بإنجازات هذه الفتاة النابغة أو حياتها, ولا حتى تعطيها القدر القليل من حقها، لذا تعتبر هذه السطور بمثابة كلمة تقدير وإجلال لذكرى الأديبة مي وغيرها من الأدباء والأديبات الأحياء منهم والأموات الذين أرسوا قواعد الأدب العربي ووطدوا دعائمه ونهضوا به إلى مصاف الآداب العالمية.

إن مثل هؤلاء الأدباء والأديبات والتي تعتبر مي زيادة واحدة منهم ليقف القلم عاجزاً عن التعبير أمام ما قدموه من إنتاج غزير، وعلم فياض، يعتبر ثروة هائلة للأدب العربي، وكنزاً لا ينضب, والنبع المتدفق الذي يستقي منه شبابنا الناهض في الحاضر والمستقبل وهم يحثون الخطى لحفظ الأدب العربي والعمل على رفعته ونصرته.

ونحن إذ نكتب هذه الكلمات في الأديبة مي لتلهج قلوبنا بالدعاء, وألسنتنا بالثناء على جهود الأدباء الخيرة والإعجاب بفكرهم النير، والسير على طريقهم المشرف، بما خلفوه من أدب تفخر به الأمة العربية, والإنسان العرب على حد سواء.

إن الذكر والتذكير بمثل هؤلاء الأدباء وتصوير كفاحهم وتجسيد عزمهم وأرادتهم لهو حاجة ضرورية لشبابنا الناشئين وشاباتنا الناشئات الذين شرعوا يشقون طريقهم في دروب الأدب والعلم والثقافة، بل هو النبراس الذي يضيء لهم الطريق, ويمهد لهم المسالك, علهم يستطيعون أن يستفيدوا من أسلافهم السابقين, ويفيدون أجيالهم اللاحقة بهذا الأدب الثمين.

أضعف إلى ذلك, أن سير الأدباء والعظماء ـ ولا شك في ذلك ـ هو الحافز الذي يحث كلا من الأدباء والمعلمين والمربين على تهيئة المناخ الإبداعي لأبنائهم وطلبتهم, وتفجير استعداداتهم وطاقتهم، واستغلال ذكائهم ومواهبهم، ليدشنوا إلى مجتمعهم أبناء منتجين مبدعين صالحين يملأ قلبهم الحب والأمل ويحدوهم العزم والإصرار والعمل.

من هنا جاءت الأديبة "مي زيادة" الفتاة الفلسطينية بكل ما امتازت به من ذكاء وقَاد، و بصيرة نافذة، وهمة وعزم وإرادة، لتنهض بالأدب العربي نهضة عالية، وتقفز به قفزات واسعة, وتغذيه وتنميه وتطوره, لتكون مثلاً أعلى لغيرها من الأدباء والأديبات السائرين على نفس الدرب، كل ذلك جاء من خلال ما نظمته من شعر، وما ألقته من خطب، وما نسجته من مسرحيات، وما قامت به من أبحاث، وما خطته من رسائل وقصص ومذكرات وكلمات.

فلم تكن مي أديبة عربية وحسب، بل كانت مترجمة للآداب العالمية، كالأدب الفرنسي، والأدب الإنجليزي، والأدب الألماني، والأدب الإيطالي، وغير ذلك من الآداب المختلفة، ومما ساعدها على ذلك إتقانها للغات عدة: كاللغة الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، إلى جانب اللغة العربية، وإلمامها بلغات أخرى: كاللاتينية، والسريانية، والإسبانية، واليونانية القديمة، والحق يقال أن الأدب العربي بدون أدب مي لهو أدب يفتقر إلى زاوية من زواياه المضيئة المتعلقة بالثقافة الغربية والعالمية, بالإضافة إلى الزاوية العربية التي أثرتها بإنتاجها.

من هي مــي زيادة؟

          مي فتاة فلسطينية لبنانية مصرية ولدت في مدينة الناصرة عام 1886م، وحيدة لأب لبناني يدعى "إلياس زخور زيادة", وأم من الجليل تدعى "نزهة معمر".  اسمها الحقيقي ماري زيادة، ولكنها آثرت أن تطلق على نفسها اسم مي انسجاما مع ما تحب وترضى لنفسها واستحسانها لهذا الاسم.

          تلقت مي تعليمها الابتدائي في معهد للراهبات في مدينة الناصرة عام 1892م لتقضي فيه سبع سنوات.  وفي عام 1899 انتقلت مي إلى "عين طوره" في لبنان لتدرس في مدرسة الراهبات العازاريات مدة أربع سنوات أخرى, ومكثت هناك لغاية عام 1904م وبعدها رجعت إلى الناصرة لتقضي بضع سنوات في ظل والديها وفي بلدها الحبيبة الناصرة.

          عزم والد مي على الرحيل إلى القاهرة عله يجد حياة أفضل من حياة الناصرة، ويحصل على راتب أعلى مما كان يتقاضاه من مهنة التدريس فيها؟ فارتحل هو وزوجته وابنته إلى القاهرة عام 1908م, وتمكن من العمل في الصحافة في "مجلة المحروسة" إلى جانب انخراطه في مهنة التدريس، ومن ناحية أخرى ساعدت مي أباها مادياً عندما قامت بتدريس أولاد الثري المعروف، "إدريس بن راغب", وقد رسخت المودة بين مي والعائلة مما دعا الرجل الثري إلى إهداء إلياس زيادة مطبعة المحروسة إكراماً لمي، فانفتح له منذ ذلك الوقت باب الرزق الوفير. وبدأت مي في الكتابة في جريدة المحروسة, واختارت إسم " يوميات فتاة" عنوانا لباب ثابت كانت تحرره في المحروسة.  كانت تختار الموضوعات الحية التي يتجادل بشأنها الناس وتدفع بآرائها الحكيمة والجريئة في آن معا, فارتبط القراء بها وراحوا يبحثون عن كتاباتها التي كانت تمثل فكرا جديدا في مجتمع مغلق, خاصة بالنسبة للنساء.  كما كتبت في مجلات معروفة أيض,ا مثل مجلة المقتطف, والسياسة الأسبوعية والتي كان لها عمودا بعنوان "خلية نحل" تستقبل فيه مشاكل القراء وتقترح حلولا لها", ومجلة الهلال, والمرأة الجديدة, وكان هذا ما بين عامي 1911-1914م.  كما كتبت في جريدة الأهرام مقالات هامة ما بين 1922م و1930م.

كيف كانت شخصية مي؟

          كانت مي فتاة حادة الذكاء، كثيرة التأمل والخيال، بعيدة النظر، واسعة الإدراك، تضفي على الأشياء والجمادات معاني إنسانية حية ناطقة، إلا أنها كانت فتاة كئيبة متمردة حساسة غامضة, كما أنها كانت هادئة الطبع، رصينة، مؤمنة بإله واحد.  أحبت الموسيقى فأجادت العزف على البيانو والأرغن, وأحبت الرقص والغناء أيضاً، وأجادت ركب الخيل.

          كانت اللغة الفرنسية هي أول لغة أتقنتها مي في مدارس الراهبات حيث كانت هي اللغة الرسمية السائدة في تلك المدارس، إلا أن أمها أشارت عليها الكتابة باللغة العربية لأنها أجمل وأحلى, فتعلمت العربية عل يد الأستاذ "لطفي السيد" استجابة لرغبة والدتها مستعينة بالقرآن الكريم كمنبع أصيل للغة العربية الفصحى، وتعلمت فيما بعد اللغة الإنجليزية, والألمانية, والإيطالية, وغيرها.

          صدر أول كتاب لمي باللغة الفرنسية بعنوان "أزاهير حلم", وكان ذلك في عام 1911م, وهو عبارة عن مجموعة أشعار منثورة وقد ذيلته باسم "ازيس كوبيا", الذي يعكس ترجمة لاسمها ماري زيادة، وقد حظي الكتاب بتعليق من الأديب "خليل مطران" نشر في جريد الأخبار امتدح فيه الكتاب، وأثني على جمال عبارته، ورقة عاطفته، وأشاد بعفويته وبساطته.  ومع أن هذا الكتاب هو أول ما نشر لمي، إلا أنها كانت تكتب تأملاتها وتسجل مذكراتها، وتترجم أحاسيسها وهي طفلة في مدارس الناصرة وعين طوره في لبنان.

درست مي فيما بعد في الجامعة المصرية عام 1914، وحازت على الشهادة الجامعية في الفلسفة والأدب عام 1918م, وكانت من المتفوقات واللامعات في مجموعتها، فأدهشت زملاءها ومعلميها بقوة إدراكها وطلاوة حديثها, فأطلقوا عليها اسم مدموزيل "صهباء".

صالون مي الأدبي وشهرتها:

          رعاها والدها إلياس زيادة وشعر بحاجاتها الأدبية والثقافية, مهيئاً لها بيته والذي كان عبارة عن شقة في مباني جريدة الأهرام قدمت لمي من قبل الجريدة, لتكون فيما بعد صالوناً يؤمه الأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين وصفوة عامة الشعب.  وفي هذه الشقة بدأت مي إقامة صالونها الثقافي الأدبي الذي دعت إليه بعد كلمتها التي ألقتها في الجامعة المصرية نيابة عن "جبران خليل جبران" في مناسبة تكريم الشاعر "خليل مطران" وكلمتها التي عقبت بها على كلمة أديب المهجر جبران, وعندما لمست تعلق القلوب بها وإعجابهم بصوتها والطريقة التي ألقت بها الكلمة, أعلنت في تلك الليلة دعوتها لجميع الحضور عن فتح صالونها الأدبي ليكون في مساء كل يوم ثلاثاء، فجاء صالون الثلاثاء "لمي" الثاني من نوعه بعد صالون "سكينة بنت الحسين."  ومع أن الأميرة "نازلي فاضل" كان لها السبق بفتح صالونها الاجتماعي والسياسي, ولكنه لم يكن له الطابع الأدبي كصالون "مي".  وكانت فكرة الصالون  قد تولدت عند مي عندما أعجبت بما قرأته عن صالون "مدام ريكاميه", وصالون "مدام دوستايل" في فرنسا, ثم جاء صالونها ليكون أشهر صالون أدبي يشهده القرن العشرون في العالم العربي.  وقد عرفت "مي" واشتهرت في صالونها كأديبة, وكاتبة, ومفكرة, ومثقفة, وخطيبة, وموسيقية, ومترجمة.

من الأدباء المشهورين الذين أمّوا صالون "مي":  لطفي السيد، وولي الدين يكن، وأحمد شوقي، والعقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ويعقوب صروف، ومصطفى الرافعي، وإسماعيل صبري وأنطون الجميل، وشبلي الشميل ومنصور فهمي، وخليل مطران، ومحمد التابعي، وإبراهيم المازني, وغيرهم كثيرين.

ومما قيل في صالون مي, ما قاله عميد الأدبي "طه حسين": "  كان الذين يختلفون إلى الصالون متفاوتين تفاوتا شديدا, فكان منهم المصريون على تفاوت طبقاتهم ومنازلهم الإجتماعية, وعلى تفاوت أعمارهم, وكان منهم السوريون, ومنهم الأوروبيون على إختلاف شعوبهم, وكان منهم الرجال والنساء, وكانوا يتحدثون في كل شيء, ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية والفرنسية والإنجليزية خاصة."

           وما قال "العقاد" أيضا: " لو جمعت هذه الأحاديث التي كانت تدور في صالون "مي" لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة " العقد الفريط" و " مكتبة الأغاني" في الثقافتين الأندلسية والعباسية.

الأدباء والشعراء المولعون "بمي":

           أحب مي كثير من الشعراء والأدباء كجبران خليل جبران, وعباس محمود العقاد, وولي الدين يكن, وخليل مطران, ومصطفى الرافعي, وأنطوان الجميل, ولطفي السيد؛ إلا إنها لم تتبادل الحب الصادق إلا مع جبران خليل جبران.  ويستدل على ذلك من خلال الرسائل التي تبادلتها معه, والتي منها رسالتها بتاريخ  (11-3-1925م) قائلة:  " صديقي جبران, لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكه, وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع, وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك.  نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة " حنه " الجميل, ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل!  لا أريد أن تكتب إلى إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا, ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته!  أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل, حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها إسم نيويورك واضح, فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه.  ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف كآبتك إن كنت كئيبا, وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة, ولتقوّك إذا كنت عاكفا على عمل, ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا,  مي زياده.

           تغني كثير من الشعراء "بمي" منهم على سبيل المثال الشاعر "أحمد شوقي" بقوله:

أسائل خاطري عما سباني

 

 

أحسن الخلق أم حسن البيان

رأيت تنافس الحسنين فيها

 

 

كأنهما لميََة عاشقان

إذا نطقت صبا عقلي إليها

 

 

وإن بسطت إلي صبا جناني

 

 

 

 والشاعر "إسماعيل صبري بقوله:

روحي على بعض دور الحي حائمة

 

 

كظامئ الطير حوَاما على الماء

إن لم أمتع "بمي" ناظري غدا

 

 

أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء

 

 

 

والشاعر "خليل مطران" بقوله:

يا مي هذي ساعة الميعاد

 

 

فسلي فؤادك عن خفوق فؤادي

 

 

 

والأديب "مصطفى الرافعي" بقوله:

يا نسمة في ضفاف النيل سارية

 

 

مسرى التحية من ناء إلى ناء

يا ليت رياك مست قلب هاجرتي

 

 

فتشعرية بمعنى رقة الماء

 

 

 

 والأديب "عباس محمود العقاد"

تبكين والهف الفؤاد يذيبه

ذاك الحنين يذوب في خديك

 

 

أيراك باكية وأنت ضياؤه

ونعيم عيشي كله بيديك

دافعت "مي" عن المرأة بنت جنسها- ودعت إلى تعليمها وتثقيفها وتحريرها, وكتبت كثيراً من المقالات وألقت كثيراً من الخطب التي ترفع من مستواها.

           أعجبت مي بالأديبة "ملك ناصيف" والشاعرة "عائشة تيمور" فألفت كتاب "باحثة البادية: وكتبت مقالاً بعنوان "عائشة تيمور شاعرة الطليعة" تشيد بالمرأة وقدرتها, وذكائها, وبأنها نصف المجتمع.

مؤلفات "مي":

 لمي مؤلفات عدة منها: أزاهير حلم، وظلمات وأشعة، وباحثة البادية، وبين الجزر والمد، وكلمات وإشارات، وسوانح فتاة، والمساواة، والصحائف، ورسائل مي، وغاية الحياة, ورسالة الأديب، والحب في العذاب، ووردة اليازجي، ورجوع الموجه.

محنة "مي" ورحيلها:

          توالت على "مي" في أواخر حياتها المصائب والمحن, فقضَت مضجعها, وجعلتها إنسانة حزينة كئيبة ملتاعة, حيث فقدت والدها عام 1930م وصديقها وحبيبها جبران عام 1932م ووالدتها عام 1932م فأحست بفراغ ما بعده فراغ فحاولت أن ترفه عن نفسها بالسفر فسافرت إلى فرنسا عام 1932م ثم إلى إنجلترا ورجعت إلى مصر, وعادت وسافرت إلى إيطاليا عام 1934م, ثم رجعت إلى مصر لتواظب على الكتابة والترجمة والتأليف أملا منها في تبديد عزلتها النفسية, إلا أن ذلك لم يكن كافيا لملئ فراغها أو إزالة وحدتها, فشعرت بنوع من الاكتئاب النفسي سيطر على عقلها وحسها, وإنني أرى ـ كاتبة هذا المقال ـ أن مي لو وجدت اليد الحنونة, والصديق الوفي الذي يمد لها يد العون ويخفف عنها مصابها, ولو أنها تلقت قليلاً من الإرشاد النفسي, ولو أنها عرفت أن الرياضية الجسمية تذهب الغم والقلق, لما آلت إلى الحالة التي آلت إليها في عام 1937م؛ مما أتاح الفرصة لأقاربها وحسادها الطمع في ممتلكاتها وثروتها التي جمعتها عن طريق قلمها وقلم والدها, فاتهموها بالجنون وأدخولها بمؤامرة مدبرة, مصحة عقلية في لبنان.

          مكثت "مي" في تلك المصحة العقلية سبعة أشهر, أنكرت عيناها ما رأت, وأذناها ما سمعت؛ مما زادها رهقاً على رهق, ففقدت الثقة بأقاربها وأصدقائها وأبناء وطنها الذين لم يكلفوا أنفسهم تقصي الحقيقة وزيارتها في تلك المصحة, بل اكتفوا بما تناثرته الصحف والمجلات عن أنباء اكتئابها وجنونها.

           إلا أن قوى الشر وإن كانت متربصة بالإنسان لتدمر ما كسبه من جاه وثروة وإنتاج, وتتبر ما علا تتبيرا, لم تستطع أن تقف أمام قوى الحق التي تتحرك بصمت وتتصدى لهذه الشرور ولهذه المؤامرات, فاستطاع بعض المحامين المخلصين لمي أمثال "مصطفى مرعي، أن يبرئها إثر محاضرة ألقتها في بيروت عام 1938 بعنوان "الأدب ورسالة الأديب" لتكون الشاهد على رجاحة عقلها ورزانتها.

           واجتازت "مي" المرحلة الصعبة, وألقت المحاضرة التي اعتبرت أروع ما جيء في الأدب العربي والتي كانت بمثابة الشهادة التي أخرجتها من تلك المصحة العقلية.

    ونقلت "مي" بعد ذلك إلى المستشفى الأمريكي "ريبز" , حيث تلقت عناية فائقة ومكثت فيه بضعة أشهر ثم غادرته إلى بيت يقع في رأس بيروت, وبقيت فيه عدة شهور كمرحلة للنقاهة, وبعدها انتقلت إلى القاهرة عام 1939م لتسكن في شقة في إحدى عمارات القاهرة وقد امتنعت عن زيارة الكثير من المعارف والأصدقاء, ومنعت الآخرين من زيارتها إلا المقربين منها كالصديق أمين الريحاني, وطه حسين, وفليكس فارس, ومنصور فهمي, والأميرتين سامية وزهراء الجزائري.

           وفي غضون سنتين من إقامتها بالقاهرة تلقت نعى أحد أصدقائها المخلصين الذين صمدوا معها في محنتها وهو "فليكس فارس", وما كادت أن تبلَ من هذه الصدمة حتى تلقت نعى صديقها الثاني "أمين الريحاني" فعاودها الحزن والاكتئاب من جديد, وشعرت بالفراغ مرة أخرى, وعاشت صقيع الوحدة وبرودة هذا الفراغ الهائل الذي تركه من كانوا السند الحقيقي لها في الدنيا, فامتنعت عن الطعام حتى وافها الأجل المحتوم في 19/10/ 1941م.

          رحلت "مي" وخلدت وراءها أعظم مسيره وأغزر إنتاج أدبي عرفته المكتبة العربية سيما أنه جاء من فتاة شبت في عصور لا تعرف للمرأة مكانة أو إسما, ولا تكن لها احتراماً ولا تعترف بكيانها وما تتحلى به من ذكاء وقدرات وإمكانيات كالرجل، عصور تتمسم بالجهل والتخلف عاشت فيها الأمة العربية حقبة من الزمن.

   لقد رحلت "مي" إلى بارئها بعد أن علمتنا الكثير من الحكم والعبر ونبهتنا إلى كيفية التعامل مع الحساد والمغرضين, وكانت أيضاً مثلاً أعلى في أدبها وثقافتها وعلمها.  وكان حريَ أن يحفر على قبرها بعض من كلماتها المأثورة التي كتبتها عام 1920م في "يوم الموتى" وهي:

    "هذا قبر فتاة لم ير الناس منها غير اللطف والبسمات, وفي قلبها الآلام والغصّات, عاشت وأحبت وتعذبت وجاهدت ثم قضت."

 

 

 

 

 

 

ندوة الشهر الماضي:

ديسك الظهر والعنق

 والعلاج الطبيعي


ندوة الشهر الحالي:

السيرة الذاتية

في الأدب الفلسطيني

_________________

 

ندوة الشهر القادم:

عمالقة الطرب العربي:

أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة

http://www.amra.ps